وهبة الزحيلي

96

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ويتنازعون ويختلفون في عيسى عليه السلام : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً [ النساء 4 / 156 ] . ثم نفى اللّه تعالى عنه أنه ولد له ، فقال : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ أي ما صح ولا استقام ولا ينبغي ولا يليق باللّه أن يتخذ ولدا ؛ إذ لا حاجة له به ، وهو حيّ أبدا لا يموت ، تنزه وتقدس اللّه عن مقالتهم هذه ، وعن كل نقص من اتخاذ الولد وغيره ، إنه إذا أراد شيئا أوجده فورا ، فإنه يأمر به فيصير كما يشاء ، فمن كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ؟ لأن ذلك من أمارات النقص والحاجة : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ . . . [ النساء 4 / 171 ] . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم بقوله : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ . ثم أمرهم بعبادة اللّه قائلا : فَاعْبُدُوهُ ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي فاعبدوا اللّه وحده لا شريك له ، وهذا الذي جئتكم به عن اللّه هو الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه ، ولا يضلّ سالكه ، من اتبعه رشد وهدي ، ومن خالفه ضلّ وغوى . جاء في الآية ( 10 ) من الإصحاح الرابع في إنجيل متى : « قال له يسوع : اذهب يا شيطان ؛ لأنه مكتوب : للرب إلهك تسجد ، وإياه وحده تعبد » . وبما أنه لا يصحّ أن يقول اللّه : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ فلا بدّ وأن يكون قائل هذا غير اللّه تعالى ؟ قال أبو مسلم الأصفهاني : الواو في وَإِنَّ اللَّهَ عطف على قول عيسى عليه السلام : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ كأنه قال : إني عبد اللّه ، وإنه ربي وربكم فاعبدوه .